ابن ميثم البحراني
189
شرح نهج البلاغة
وهذا الفصل يشتمل على توبيخ أصحابه لتقاعدهم عن النهوض معه إلى حرب أهل الشام ، وذكر وجوه التوبيخ : الأوّل : حاجتهم إلى المداراة الكثيرة . وليس ذلك من شيم الرجال ذوى العقول بل من شأن البهايم ومن لا عقل له ، ونبّههم في حاجتهم إلى المدارة بتشبيهين . أحدهما : بالبكارة الَّتي قد أنهكها حملها . ووجه الشبه بينهما وبينهم هو قلَّة صبرهم وشدّة إشفاقهم وفرارهم من التكليف بالجهاد واستغاثتهم كما يشتدّ جرجرة البكر العمد ، وفراره من معاودة الحمل . الثاني : بالثياب المتداعية ، وهى الَّتي يتبع ما لم يتخرّق منها ما انخرق في مثل حاله . ووجه الشبه ما ذكره ، وهو قوله : كلَّما حيصت من جانب تهتّكت من آخر : أي كما أنّ الثياب المتداعية كذلك . فكذلك أصحابه كلَّها أصلح حال بعضهم وجمعهم للحرب فسد بعض آخر عليه . الثاني : شهادة حالهم عليهم بالجبن والخوف وهو قوله : كلَّما أطلّ . إلى قوله : وجارها ، وكنّى بإغلاق كلّ منهم بابه عند سماعهم بقرب بعض جيوش الشام منهم عن فرارهم من القتال وكراهية سماعهم للحرب ، وشبّههم في ذلك الخوف والفرار بالضبّة والضبع حين ترى الصائد أو أمرا تخافه . وإنّما خصّ الإناث لأنّها أولى بالمخافة من الذكران . الثالث : وصفهم بالذلَّة وقلَّة الانتفاع بهم . فنبّه على وصف الذلّ بقوله : الذليل واللَّه من نصرتموه . فإنّه إنّما يكون ذليلا لكونهم كذلك ، ويحتمل أن يشير بذلك إلى سوء آرائهم في التفرّق والاختلاف ، ثمّ بالغ في ذلك بحصر الذلّ لكلّ منتصر بهم فيمن نصروه ، ونبّه على قلَّة الانتفاع بهم بقوله : ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل . استعار لهم من أوصاف السهم أرداها ، وكنّى بذلك عن عدم فايدتهم ونكايتهم في العدوّ كما لا فايدة في الرمي بالسهم الموصوف . الرابع : وصفهم بالكثرة في المجامع والأندية مع قلَّتهم في الحرب وتحت الألوية . وذلك يعود إلى الذمّ بالجبن أيضا والعار به فإن قلَّة الاجتماع في الحرب والتفرّق عنه من لوازم الخوف ، وكما أنّ مقابل هذا الوصف وهو الاجتماع والكثرة في الحرب مع القلَّة